اخر الاخبار

الأربعاء، 13 نوفمبر 2019

أماكن في القلب رغم الغياب - لفتحية التجاني

أماكن في القلب رغم الغياب ..

الأبيض حي المديرية 🌿
 الزمانُ زمان خريف اخضر .. والمكان مكان جمال وسحر .. بهي ونضر ..غابات أشجار اللالوب مترامية الأطراف متشابكة ، متأصلة في المكان وضاربة منذ القديم في ربوعنا الطيبة ..
الأرض كساها العشب لوناً أخضر حقول ممتدة .. بيوت ناعسة  وسط الجمال.. خيران  تتلوى و تنساب  كجداول تلف بيوت  الحكايات ..
للجنادب لحن صاخب حين يرخي الليل ستاره .. تميزه بوضوح لهدوء المكان وسحره  ..و الهواء يأتيك بروائح المطر حتى وإن لم ينزل عندك ..وحين يزورنا  وتطرق قطراته سقف البيت يدغدغنا الإحساس الجميل والنفس يملأها  الفرح النبيل   ..و تجتاحك  الشجون وروحك تهفو للغائبين حنين وشوق و تغمرك الذكريات .. ويحل الليل علينا وسماءه تعانق قمره المنير  .. فنتذكر أحباءنا، نراهم بعيون قلوبنا المشتاقة وينثر المطر  اصواتهم وضحكاتهم وكل جميل عشناه .. ذاك سحر المطر ..و ترعد السماء والظلمة تزداد  سواداً ويبردُ الجو ويصبح رطباً كحال ليال الخريف فلا شي وقتها يبعث الدفءَ غير موقد أمي  تشعله في الغرفة.. وفي وسطه إبريقٌ للشاي وزلابية قد سبق وصنعتها ..ويطيب التسامر والكلام ..وينير الوالد المكان وينعشه بالنوادر  والفكاهة ..وصوت المطر  يعزف الألحان و ويصنع  فينا الفرح النبيل  ..البيت مكتظ بالود وبالوجوه الدافئة أبناء عم وبنات عمومة وابناء خالات وأخوال وصحاب ..
ويتسلل اول خيط للصباح .. والشمس تلامس النائمين وتلامس أغصان الشجر فتتمايل بلحن طروب لأعشاش الزهر وأحواض الخُضر ..نعناع وجريرٌ وبصل اخضر وفجل..وزهرةبيضاء لا تتفتح الا بضوء النهار لتفرد اوراقها المخملية  ..فتصطف مبتهجة على جوانب الصالة  الأمامية ..و أعشاش الاركويت بالباب الرئيس متراصة في موكب  استقبال للزائرين .. وشجرة توت قصيرة مثمرة بتوت أحمرٍ باهت وآخر قاتم شهيُّ المذاق تجاوره  حنفية قصيرة ما انقطع يوماً ماءها ..نباتات الصبار معلقة على أغصان شجرة اللالوب الضخمة بهية وزاهية وبرغم قساوتها كانت تسبق الناس حفاوة الى مدخل الراكوبة الجميلة التي أبدعت الوالدة في ان تجعلها مجلس ود وحب وإلف وتسامر ..نظيفة وبسيطة ومريحة ..وعلى أطراف البيت ينتشر الفطر الأبيض براسه الدائرى  كسنافر مشاغبة ترتدي خوذ بيضاء فارضة نفسها على فناء المنزل.. فالخريف من أتى بها ومن أجود وأكرم من الخريف ؟!
وهناك في الباحة الخلفية للمنزل شجرة ليمون عتيقة ..في الحقيقة شجرتان متشابكتان اتخذت منهما الوالدة مكان للطبخ..  مع وجود غرفة للمطبخ  ،لكنها كانت تهوى الفضاءات الفسيحة والنسيم ..
والبيت مطوق بالجمال واللباس الأخضر عنوانه  فذاك حب  ورثه الوالد من آباءه  الطيبين في ريفنا الجميل وبوادينا الوادعة..
لصباحات الخريف  هناك سيمفونية  ناعمة وأعياد للحب وكرنفالات للبهجة ..فيتسلل الى خلايانا دفق صاخب يجتاح القلب ويأسره،، فسترى في النفس طاقات من الإيجابية والغبطة ، تمسح على الوجدان فتطربُ  نفسك وترتاح ..لتشق طريقك باكرا بكل نشاط مع أناسٍ  تبادلهم  التحايا الحارة كأنك تلتقيهم أول مرة !والواقع انكم تلتقون كل يوم على ذات الدرب المطير وتلك روعة بلادي ..ونعبر الطرقات الهشة ونشكر الله أن أهدانا ليل المطر  .
زهور وأعشاش وأعشاب وطيور وعصافير .. وسحب هنا وهناك ممزوجة بزرقة السماء ،تغمرها الشمس  تارةً و تنفر منها تارة. وحيناً يتعانقا فيهديانا غيماً وظلال ونسيماً حلواً وطلاً ومزن ..ورائحة القش المرتوية تتسرب الى أعماق أعماق صدورنا من أزقةِ البيوتِ المتلاصقة فنزداد على غبطتنا غبطة .. ذاك صوت الطبيعة الساحر وسحر الإله يتجلى كل يوم في دروبنا الطيبة .. أشجار الجهنمية بهاءها  لم أنساه أبداً بزهورها الورديةوملمسها الناعم ..
والشجرة  تتمايل و تتهادى بأطرافها  متمردة على أسوارِها ..لتمد إلينا أغصانها ،تهدينا زهرها  وظلالها وبراعم أزهارها فنقطفها ونزمرُ بها برفق خوفا من أن تتفتت الاوراق الملفوفة  ..ونهرول بها صفارة طرية  وكم زينا بها أطواقنا  البلاستيكية للنشاطات  المدرسية آنذاك  ..
ونعبر و الارض تحتنا تشهق بالطل والزَّخات فتزفرُ لنا أنفاسها العطرة المشبعة برزاز الماء  فتعم المكان والنفوس مختلجة بكل الأحاسيس ..سلام .. شوق .. وشجن وارواح هائمة وقلوب ممتلئة بالامل ومفعمة بالهمة والنشاط ..هكذا كناَّ نعيش وتلك كانت أيامنا وذلك هو الوطن الذي تركناه ..
يقولون أن الحجارة تتدحرج ودائما ما تعود إلى مكانها الأصلي ..فليتنا كنَّا حجارة مرة ..


التعليقات

هناك تعليق واحد:

Adbox