بقلم : المقداد سليمان

على طريقة أفلام " الأكشن"  قرر المحتجون من هيئة العمليات بجهاز الأمن إيصال صوتهم واختاروا بدلاً من الهُتاف بـ(حناجرهم) أن تهتُف أسلحتهم و" تزغرد" أعيرتها النارية في سماء  الخرطوم التي عاشت يوماً عاصفاً وطويلاً 
(ضرب نار)
الخرطوم _  المقداد سليمان
بدا  كل شيء عادياً  وهادئاً  صباح الأمس   قبل أن يرتفع صوت الرصاص  في سماء كافوري بالخرطوم بحري  أعلى  المباني الخاصة بهيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات  والتي أطلقها  بعض منسوبي الهيئة المحلولة اعتراضاً   على المقابل المادي الخاص بعمليات التسريح  ..ما حدث في كافوري سرعان ما تكرر في مناطق أخرى من العاصمة  وتحديداً في مباني رئاسة هيئة العمليات على مقربة من شارع المطار  حيث خرج منسوبو الهيئة  إلى الخارج وأطلقوا أعيرة نارية من أسلحتهم في الهواء  بينما  قام بعضهم بوضع المتاريس في الشوارع الفرعية هناك  وهي الأحداث  التي جعلت البلاد تعيش يوماً طويلاً ودراماتيكياً  كان أبطاله  منسوبي هيئة العمليات  من جهاز الأمن التي يحملها الكثيرون مسؤولية القمع الذي واجه الثورة السودانية حتى انتصارها.
شرارة الأحداث
أقدمت مجموعة من قوات هيئة العمليات بجهاز الأمن على احتلال بعض الشوارع وإطلاق النيران بكثافة شديدة في معسكرات تتبع لها بأحياء الرياض وسوبا وكافوري في حوالي الساعة الثانية عشرة من ظهر أمس الثلاثاء، احتجاجاً على ضعف مستحقات نهاية الخدمة، وفي أعقاب صدور قرار بحل القوات المذكورة، بحسب مصدر رسمي، أوضح أن جنود هيئة العمليات تم تخييرهم في وقت سابق ما بين الانضمام إلى هيئة الاستخبارات بالجيش أو الدعم السريع أو الإحالة إلى التقاعد، لكن الغالبية فضلت الخيار الأخير بغرض الحصول على حقوق نهاية الخدمة.
وكشف المصدر أن عدداً من جنود الهيئة تسلموا حقوقهم أمس  واحتجوا على قيمتها بادعاء أنها قليلة، ونقلوا الخبر لزملائهم الذين بادروا بإطلاق النار في الهواء بكثافة شديدة، ليثيروا حالةً من الرعب بين المواطنين، وطالب الأفراد المتمردون بإعادة تقييم الحقوق بنهجٍ عادل، فيما هرعت قوات من الجيش والدعم السريع إلى مناطق إطلاق النار وطوقتها بالعربات المدرعة والتاتشرات  وفقاً لما تم تسريبه أو التداول فيه فإن أسباباً  مالية هي التي أشعلت الأحداث.

قوش في دائرة الاتهام
مع  اندلاع الأحداث وما تم تداوله حولها نقلت الأخبار  مغادرة نائب رئيس المجلس السيادي الفريق محمد حمدان حميدتي الخرطوم إلى جوبا من أجل المشاركة  في المفاوضات الجارية لإقرار السلام  في الوقت الذي انخرطت قوات الدعم السريع في مهامها من أجل حسم  تمرد المجموعة  ومن مقر المفاوضات وتحديداً من فندق براميد بجوبا  عقد  الفريق حميدتي مؤتمراً صحفياً  اتهم من خلاله المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش  بالتدبير لإثارة القلاقل داخل البلاد وحمله المسؤولية المباشرة عن الأحداث التي شهدتها الخرطوم   ولم يكتفِ نائب رئيس المجلس السيادي  باتهاماته لمدير الجهاز السابق وسرعان ما أعلن عن تورط ضباط في الخدمة داخل جهاز المخابرات في الأحداث متهماً  مديره الحالي الفريق دمبلاب بالتقصير  مردفاً أنهم أخبروه وحذروه بإمكانية تفلت أفراد إدارته يوم الاثنين معتبراً أن أمر إقالته  بيد قيادات الحكومة الانتقالية  بالطبع وفي إفاداته قال حميدتي إن الدولة ستحسم التفلتات والتمرد وأضاف أن مسيرات الزحف الأخضر التي سيرتها مكونات النظام السابق كانت جزءاً من مخطط كبير  للفوضى في المرحلة ما بين 18 و26 يناير  وربما لتأكيد فرضية  تورط قوش فيما يجري فقد قالت مصادر إن مطالب المتمردين لم تتمحور حول الحقوق وإنما مضت في  ضرورة تمكين قوش من السلطة.
بلسان رسمي
وصف بيان للحكومة تلاه الناطق الرسمي ووزير الإعلام فيصل محمد صالح ما حدث  بالتمرد   بالتعليق على ما حدث في أحياء سوبا، الرياض، وكافوري، التي تحتضن مقار تتبع لهيئة العمليات كان إطلاق النار من المحتجين، ما تسبب في إحداث حالة من الهلع والزعر وسط المواطنين،  وطبقاً لبيان الناطق الرسمي لمجلس الوزراء فيصل محمد صالح أن جهاز الأمن والمخابرات كان قد أصدر قراراً بتسريح هيئة العمليات بعد التعديل الذي حدث لقانون الجهاز وتحويله لجمع المعلومات، إلا أن بعض الوحدات رفضت المقابل المادي الذي قررته الجهات الرسمية مقابل التسريح واعتبروه أقل مما يجب أن يتلقوه  وبيان الناطق الرسمي أشار إلى حدوث حركة احتجاجية في ولاية شمال كردفان مدينة الأبيض أيضاً تزامننا مع احتجاجات الخرطوم، ما دفع القوات المسلحة والقوات النظامية بالتعامل مع الموقف وبحسب ما ورد في البيان أنه لم تحدث أي إصابات بين المواطنين والقوات النظامية حتى لحظة صدور البيان الذي قال فيه الناطق باسم الحكومة إن الجهات المسؤولة تواصل مساعيها لإقناع الوحدات " المتمردة" بتسليم أنفسهم وسلاحهم للقوات النظامية، وأكد البيان قدرة القوات المسلحة على حسم التمرد وتأمين المواطنين والمنشآت، وترجى فيصل المواطنين الابتعاد عن المواقع المحددة وترك الأمر للقوات النظامية. 
حمدوك يطمئن  وتجمع المهنيين يحذر
في تغريدة على حسابه بـ" تويتر" كتب عبد الله حمدوك رئيس الوزراء معلقاً على ما حدث قائلاً : " نطمئن مواطنينا أن الأحداث التي وقعت (أمس) تحت السيطرة وهي لن توقف مسيرتنا ولن تتسبب في التراجع عن أهداف الثورة، الموقف الراهن يثبت الحاجة لتأكيد الشراكة الحالية والدفع بها للأمام لتحقيق الأهداف العليا، نجدد ثقتنا في القوات المسلحة والنظامية وقدرتها على السيطرة على الموقف  بينما حمل بيان ممهور  الجهات الأمنية مسؤولية الحفاظ عليى الأمن وحماية أرواح المواطنين  وقال التجمع في تعميم له ندعو كل المواطنين السودانيين والأجانب بالابتعاد عن تقاطع شارع المطار مع لفة الجريف ومن كل المناطق العسكرية وعدم التجمهر تحسباً لأي اشتباكات مسلحة قد تحدث، نظراً لتوتر الأوضاع وضبابية الرؤية وحرصاً منا على سلامة الجميع  واتباعاً لتعميمه الاول قال تجمع المهنيين تواترت معلومات مؤكدة عن تنزيل مجموعات من عصابات التخريب المسماة "بالنيقرز"، والتي ظل يستثمرها جهاز أمن النظام البائد وفلوله في أحداث عدة لتمرير مخططاتهم الخبيثة، وذلك لنشر حالة من الفوضى والتعدي على المواطنين وممتلكاتهم في الأحياء الطرفية ومناطق أخرى بالعاصمة القومية والمدن الرئيسية في الولايات، يأتي ذلك بالتزامن مع التمرد الذي قادته مجموعات تابعة لجهاز المخابرات (أمس) ومحاولةً لزعزعة الوضع الأمني واستقرار البلاد.
  ملخص ما سبق
العام الماضي عقب عزل الجيش في الخرطوم الرئيس السابق عمر البشير تم تخيير جنود هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات العامة السوداني (جهاز الأمن والمخابرات الوطني سابقاً) بين الانضمام إلى هيئة الاستخبارات في الجيش أو الدعم السريع أو الإحالة إلى التقاعد، إلا أن العدد الأكبر من أفراد هيئة العمليات اختاروا الإحالة إلى التقاعد والحصول على حقوق نهاية الخدمة .
ونصت الوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس العسكري، وقوى الحرية والتغيير في  أغسطس 2019م ، على أن "جهاز المخابرات العامة، جهاز نظامي يختص بالأمن الوطني، وتقتصر مهامه على جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المختصة، ويحدد القانون واجباته ومهامه ويخضع للسلطتين السيادية والتنفيذية وفق القانون  وما حدث بالأمس كان إعلاناً عن حالة  من عدم الرضا حول المقابل المادي الذي نالوه  في آخر المطاف .جهاز المخابرات العامة أقر بوقوع احتجاجات من منسوبي هيئة العمليات بالجهاز وأكد بحسب بيان مقتضب للناطق الرسمي أن هناك إجراءات لتقييم الموقف ومعالجته، وأنه في إطار هيكلة الجهاز وما نتج عنها من دمج وتسريح حسب الخيارات التي طرحت على منسوبي هيئة العمليات، إعترضت مجموعة منهم على  قيمة المكافأة المالية وفوائد ما بعد الخدمة. وأضاف الناطق في البيان :" جاري التقييم والمعالجة وفقا لمتطلبات الأمن القومي  للبلاد
تعليق للطيران وبيانات لجان الأحياء
علقت حركة الطيران مؤقتاً، وحلقت طائرات عسكرية في سماء الخرطوم  أمس كما انتهي الدوام في بعض المؤسسات مبكراً لاسيما في المواقع والمناطق القريبة من مواقع إطلاق النار بينما احتشد المئات من الشباب على جانبي شارع المطار يحملون أعلامهم ويرددون هتافات الثورة  محذرين الجميع من المساس بها  ولم تمنع أصوات الذخيرة العالية هؤلاء من التجمهر ضاربين  بكل مطالب الابتعاد عرض الحائط  وهو الأمر الذي أدى لتعرض أحد الشباب لإصابة  وتم نقله على إثرها إلى المستشفى  بينما بدأت مطالب المتجمهرين واضحة في مطالبتها الدعم السريع  والقوات المسلحة بضرورة حسم تفلتات جهاز الأمن  والعمل علي إنجاز الملف الخاص بحله  في وقت كانت  فيه المفاوضات بين المحتجين وقيادات في الجهاز تمضي دون توقف ودون الوصول إلى نتيجة لأنه وعقب صلاة المغرب لم يتوقف صوت الرصاص  في المنطقة المحيطة بمباني الجهاز بالرياض  وعاد مرة أخرى  لمنطقة كافوري وفي بعض أجزاء بحري وفي بيان لـ لجان أحياء منطقة بحري نشره تجمع المهنيين السودانيين على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي طالبت اللجان الثوار المواطنين بعدم التدخل والابتعاد عن أماكن إطلاق النار وأخذ الحيطة والحذر حتى استقرار الوضع، وطالبت اللجان في البيان الذي اطلع عليه المحرر بحل جهاز الأمن ونزع سلاحهم فوراً  لجان المقاومة بحي كا فوري مربع 6 هي الأخرى سارعت بإصدار بيان قالت فيه إن المواطنين بالحي أصابهم الهلع إثر أصوات الذخيرة التي استمر سماع صوتها لقرابة الساعتين من المعسكر التابع لجهاز المخابرات الموجود في الجهة الشمالية الغربية للمربع، وبحسب البيان أنها ليست المرة الأولى التي تسمع فيها أصوات الذخيرة في الحي، ودعت اللجان المواطنين المتواجدين في مربع ٦ كافوري بأخذ الحيطة والحذر والدخول إلى داخل المنازل وإغلاق الأبواب والنوافذ بإحكام  وعدم الاقتراب منها حتى تستقر الأوضاع.

محاولات  تهدئة
لاحتواء الموقف تم تكوين وفد من قادة جهاز المخابرات العامة وبعض الضباط الذين أحيلوا إلى المعاش للتفاوض مع أفراد هيئة العمليات التابعة للجهاز، عقب أحداث الاحتجاج وإطلاق الرصاص التي وقعت أمس (الثلاثاء) رفضاً لتسلم مستحقاتهم التي وصفوها بالضئيلة وبحسب " باج نيوز" أنه تم تشكيل الوفد بعد رفض منسوبي هيئة العمليات حضور مدير المخابرات العامة أبوبكر دمبلاب وحتى مثول الصحيفة للطبع لم تصل لجان المفاوضات إلى شيء بعد تعنت  منسوبي هيئة العمليات المحلولة  حول موقفهم  ..



إرسال تعليق

0 تعليقات