اخر الاخبار

الاثنين، 22 يونيو 2020

جدل الهوية


‏ما برزَ بعد الثورة ، عرب ولا أفارقة؟ 

____
جدل الهوية ؛ تميزت فترةَ النضال ضد الديكتاتورية الكيزانية في السودان  ، وفترة ما بعدَ الثورة وانتهاء النضال ، ببروز جدل الهوية ، وبدأت تتعالى أصوات أسئلة ، كمن نحن، ومن أين جئنا ، وأسئلة حول اصلونا،
الشباب والشارع الثوري كان بيني قرارات بناءاً على ما اُحِب ان اطلِق عليه " التحيُز الأصولي " ، بناءاً على فكرة انه " نحن أفارقة ولسنا عرب " ، مع انه الناظِر الى تاريخ السودان يجد ان السودان يتفرد بتمازج واختلاط باهي، ورائع، بين الدم العربي ، وبين الدم الأفريقي ، وان السودانين في لهجاتهم ولغاتهم وألوانهم يجسدونَ صورة بهية للاختلاط العربي والأفريقي ، ولكن! تشّوه المزج العرقي في عهد الكيزان بالعنصرية والحروب القائمة على اساس عرقي وديني ، ثم بعد ذلك جاءت الثورة كفرصة تاريخية يمكن لنا الاستفادة منها وتطويع قضية " الأصل المشترك " للسودانين بين العرب والأفارقة لتحصيل اكبر مكاسِب سياسية واقتصادية وغيرها، فنحنُ عرب وأفارقة، اي يمكننا ان ننتمي لمعسكرين بدلاً عن معسكر واحد ، المعسكر العربي ونظيره الأفريقي، في نظرتي الشخصية ان موضوع الأصل موضوع مهم غايهَ الأهمية ، فالتطور وبناء الصروح العالية لا يكون على تِلك الارضِ مباشرةً، انما نبني صروح التنمية والتقدم على اساس الاصول والمنابع، والتقدم -في نظري - غيرَ المشروط بحدود دينية موروثة او موروثات ثقافية او قيم حضارية يكون تقدم احادي القطب ، تقدم مادي فقط، يفقد فيه الانسان البصمة المتميزة التي تجعلك مختلفاً وتسمو به نحو السماء وهي الدين، وما يضفي الطابع المتميز على شخصيته المتطورة وهي العادات والتقاليد .
حالة الاندفاع العاطفي للنخب السودانية الثورية والشباب السوداني والشارع الثوري ادّت لانحياز تام نحو الاصولِ الأفريقي ونبذ الاصول العربية تماماً، أُعزي هذا الامر  للاتي ؛ ان الأنظمة العربية جميعها كانت اما محايدة او رافضة للتغيير في السودان ، وان الأنظمة الحاكمة والمسيطرة في البلاد العربية كانت أنظمة ذات طابع قمعي وتهدف للسيطرة الوضيعة على الأراضي السودانية سياسياً وإدارياً ، اي تهدف لنوع من ما أُسميه الاستعمار السياسي ، كالذي حدثَ في مصر الشقيقة، وان الأنظمة العربية كانت داعماً رئيسياً للنظام البائد ، وكذلك الشعور بحالة من عدم الإنصاف عند المقارنة بينَ العربي والأفريقي نسبةً لاختلاف اللون، فالأفضل لكَ كشخص ذو لون يعتبر دوني ان تترفع عن ان تتحِّد مع ذوي اللون الأعلى وان تستقل بكيان خاص حتى لا تقع في فخوخ المقارنة والعنصرية ، والميل النخبوي الشعبي الثوري تجاه الأصل الأفريقي يمكن ان تكون قد ساهمت فيه الوساطة الأفريقية ( الإثيوبية ) والتي -ما بدا من الامر- كانت حريصةً على استقرار السودان ودعم المشروع التغييري الثوري السوداني ( مع اني اعزي الدعم الإثيوبي لمآرِب أخرى) .
تفصيلاً : إِن قضية الأصل مرتبطة "بالحقيقة التاريخية" ، بغض النظرِ عن ما حدث وما يحدث وما سيحدث ، اي ان اصولنا العربية هي حقيقة تاريخية لا يمكن ان ينكرها الا جاحِد، وهذة الحقيقة لا تعتمد على مدى العدالة او الظلم في بلاد العرب اليوم ، او ما يدور فيها من خير او شر، عقلانياً لا يمكن ان يكون هذا هو المقياس لرفض الحقائق، لانه في يومٍ من الايام قد حُكمت بلاد العرب بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم ، وسينزل في اخر الزمان فيها نبي الله عيسى ، وقضية ميلنا نحو الأفارقة هي حقيقة لا يمكن إنكارها ، ولكنَ الميلَ لا يجب ان يبرر بمواقفهم السياسية تجاه ما يحدث في بلادنا! .
في رؤيتي أنَ هويتنا العربية مهمة للغاية ، مهمةٌ في كونها تمُدنا بالدين، تمدنا بالأساس الذي يجب ان تصطبغ به في رحلة التطور المادي احادية القطب التي يمر بها العالم، في ظل تلاطم امواج المادية ، الهوية العربية تصيغها بتاريخ ديني مميز. وهويتنا الأفريقية لا تقل أهمية عن العربية، في كونها تصبغنا باللون الغالِب و لها اثر حضاري و تمدنا بموروثات ثقافية لا حصر لها، لتصبغ بها شخصيتنا، فروح الانسان السوداني مزدوجة وتتميز بالاندماج الخلاّب بين الدين العربي والثقافة الأفريقية ، ليتجلى هذا الامتزاج في الألوان والمظاهر والعادات والسلوكيات .
عموماً ان جدلَ الهوية وحقيقة التمازج "الكارِب" الذي نعيشه يمكن ان يخدم أهداف التنمية واحلام الوطن الجديد ، وان يرقى بقيمنا وعاداتنا ، وان يخلق حالة استفادة من التمازج سياسياً واقتصادياً ، وفي نفس الوقت يظل التمازج -كما كان سابِقاً- باعثاً على العنصرية ، فالتعامل اللطيف للنخب الحاكمة مع القضية وتحويرها بسبب خدمات سياسية أفريقية وخذلان عربي الى قضية تندرج تحت بند المتاجرة بالسياسة ، سيخلق تواصل لا نهائي من حالات العنصرية والتعنصر الرجعي ، لانَ الأعراق التي تبدو عربية ستعيش في حاله من الاغتراب ، وسيراودها الإحساس باللاانتماء ، حسن إدارة الإختلاف و التمازج سيرقى بالإنسان السوداني و ينعكس حسن الإدارة على الشعب في نبذ العنصرية كما يقال ( إذا كان الإختلاف إرادة ربانية فالتعامل معه إرادة بشرية )

مصعب محمد بكري 
 22june 2020 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox