اخر الاخبار

05 ديسمبر 2020

المحكمة الدستورية

 ‏المحكمة الدستورية

                                                                      مصعب 🖊️ عوض الكريم علي ادريس المحامي

musabawed@hotmail.com  

   



   في السابق كانت هنالك دائرة ضمن دوائر المحكمة العليا تُسمى (الدائرة الدستورية) تتولى الفصل في النزاعات المتعلقة بدستورية القوانين، وتنازع الاختصاص بين مؤسسات الدولة، وتحمي الحقوق والحريات العامة للأفراد. وهذا الاختصاص يُعرف في الفقه الدستوري بـ "الرقابة القضائية على دستورية القوانين". لكن بعد صدور دستور السودان لسنة 1998م ودستور السودان الانتقالي لسنة 2005م تم انشاء "محكمة دستورية مستقلة"، لا تتبع هرمياً للسلطة القضائية، ولا علاقة لرئيس القضاء بها، ولا تعتبر مرحلة من مراحل التقاضي، تتولى هذه المحكمة نفس الاختصاص الذي كانت تمارسه الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وصدر قانون المحكمة الدستورية لسنة 1998م وقانون المحكمة الدستورية لسنة 2005م وفقاً للدساتير المذكورة.

   بعد قيام الثورة التي اطاحت بالنظام السابق، وصدور الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م التي تحكم الفترة الانتقالية حالياً، انتهى أجل ولاية قضاة المحكمة الدستورية، ولم تقوم السلطة المختصة بإعادة تشكيلها مرة أخرى، أو تعيين قضاة جدد على الرغم من أن الوثيقة الدستورية نصَّت صراحة على انشاء المحكمة الدستورية، وظل قانون المحكمة الدستورية لسنة 2005م سارياً، وهو القانون الذي ينظم كيفية اختيار وتعيين قضاة المحكمة وأجل ولايتهم وغيرها. علماً بأن المناداة المستمرة بتشكيل المحكمة الدستورية يعتبر "ضرورة مُلحة" لأن غياب المحكمة ينعكس سلباً على البناء الهيكلي المؤسسي للدولة وقوانينها ولوائحها ويساهم في عدم الاستقرار الدستوري. 

   علماً بأن أي قانون يصدر يجب أن يكون مستنداً على الوثيقة الدستورية التي تمثل القانون الاسمى في الدولة، ويفترض في صدوره أن يكون وفقاً للأوضاع القانونية المقررة. بالتالي يجب أن يكون القانون متسقاً وموائماً للوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، وأن يصدر من الجهة التي لها الحق في اصداره دستورياً، وأن لا يتعارض هذا القانون مع نصوص الوثيقة الدستورية، وأن لا يهدر الحقوق الاساسية للمواطنين أو يتغول على حرياتهم العامة المنصوص عليها في وثيقة الحقوق والحريات المضمنة في الوثيقة الدستورية. ولبحث مدى موائمة القانون للوثيقة الدستورية ومعرفة وجود الضوابط والاشتراطات الشكلية والموضوعية، يجب أن تكون المحكمة الدستورية موجودة حتى يلجأ اليها المتضررين من القوانين والنصوص القانونية المعيبة والطعن في عدم دستوريتها، لأنه ليس كل قانون صادر من جهة مختصة بالضرورة أن يكون موائماً للوثيقة الدستورية ولا يتعارض معها، مثلاً الوثيقة الدستورية تمنع تقييد حريات الأشخاص الاَّ بالقانون، وقانون الإجراءات الجنائية يمنع حبس المتهم مدة لا تتجاوز في مجملها (6) شهور من تاريخ الحبس، فاذا تم تقييد حرية شخص وحبسه مدة اكثر من المدة المنصوص عليها قانوناً، لا يستطيع المتضرر من تقييد حريته وحبسه من اللجوء للمحكمة الدستورية لغيابها وعدم تشكيلها. 

   أيضا أي شخص يواجه بإجراءات جنائية ويُقدم لمحاكمة يجب التأكد من أنه نال محاكمة عادلة، تم فيها مراعاة أسس ومبادئ المحاكمة العادلة التي نصت عليها الوثيقة الدستورية والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمعاهدات والمواثيق الدولية التي صادق عليها السودان، وتتضمن هذه المبادئ توفير الحق في الدفاع، والحق في الحرمة من التعذيب والاهانة والمعاملة القاسية اللا انسانية، والحق في افتراض البراءة، والحق في المحاكمة دون ابطاء لا مبرر ولا ضرورة له، والحق في الحماية من عدم تطبيق القانون باثر رجعي، وغيرها من الحقوق التي تمثل الحد الادنى من  ضمانات المحاكمة العادلة، فاذا انتهكت هذه الحقوق أو أي منها لا يستطيع المتضرر من اللجوء للمحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص الأصيل في حماية هذه الحقوق بسبب عدم تشكيلها.

   ومن حق أي مواطن ان يتملك ملكية خاصة، سواء كانت بالحيازة أو التسجيل وفقاً للقانون الذي ينظم الحيازة أو التسجيل، والوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م نصت في المادة (61/1) على أن: (لكل مواطن الحق في الحيازة والتملك وفقاً للقانون). لذلك اذا تم انتزاع الملكية من أي شخص للمصلحة العامة وفقاً للقانون، يجب أن يكون النزع مقابل تعويض عادل وفوري. وايضاً لا يجوز مصادرة الأموال والملكية الخاصة الاَّ بموجب "حكم قضائي"، والحكم القضائي يصدر من المحاكم المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية وليس من أي "جهة أخرى". أما إذا نزعت الملكية الخاصة بالمخالفة للقانون وبدون تعويض عادل وفوري، أو تمت مصادرة الملكية الخاصة بدون حكم قضائي، لا يستطيع الشخص المتضرر من اللجوء للمحكمة الدستورية بسبب عدم تشكيلها. 

   المحكمة الدستورية ليست ترفاً قانونياً ممن ينادون بها أو مزايدة سياسية. المحكمة الدستورية جزء من مكونات الدولة الديمقراطية التي تُحترم فيها الحقوق والحريات العامة، ومن مهامها الحفاظ على كيان الدولة من التنازع الذي قد ينشأ بين السلطات والاجهزة، وهي جزء من مكونات الدولة ومؤسساتها في الفترة الانتقالية، يقع على عاتقها مسئولية الرقابة القضائية، فاذا أردنا بناء دولة مؤسسات ديمقراطية وقانونية تقوم على العدالة والمساواة ومبدأ سيادة القانون ويخضع فيها جميع الاشخاص والهيئات والمؤسسات لحكم القانون، يجب المسارعة بتشكيل المحكمة الدستورية فوراً. لان غياب المحكمة الدستورية يعني غياب العدالة والقانون والمؤسسات والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox