اخر الاخبار

الجمعة، 23 أبريل 2021

الآن هنالك وطن وغدا قد لا يكون

 الآن هنالك وطن وغداً قد لا يكون ..


بقلم: مقدّم شرطه م محمد عبد الله 

الصايغ





اليوم الذي تلى ليلة الفض كان يومًا عصيبًا لنا كأسرة فقد ضم الميدان ليلتها ابنتي وإبني وابناء اخوتي واخواتي. تعرّضوا لكل اشكال المعاناة بين الصّد عن أبواب القيادة العامة وبين التظاهر بالموت وسط جثث زملائهم بمستشفى المعلم وبين الركض شرقاً حتى النيل الازرق ثم جنوبا لما بعد سوبا ثم شمالًا حتى وصلونا ليلاً في حالةٍ يرثى لها. 


سيارتي التي فقدت كانت تقف بشارع الجامعة داخل الترس الثالث بين الميدان الشرقي ومدخل الجامعه الرئيسي. إبنتي تأكدت من وجود السيارة الى ما بعد الساعة الثالثة والنصف صباحاً وهي مشغولة مع زميلاتها وزملائها في مزيدٍ من التتريس بشارع النيل وامام كبري الحديد. بعد ذلك الوقت تُعتبر تلك المنطقه في مجملها منطقة عمليات رهينةً بالقوات التي اغلقتها من نواحيها ومخارجها ومداخلها. 


لم يكن هنالك مجالٌ لدخولِ لصوص من خارج ذلك المشهد. 

أعدادٌ مُقَدّرةٌ من الكاميرات يعجّ بها شارع الجامعه من تقاطعه مع شارع عثمان دقنه " كلية الهندسة "وحتى عِنَاقِهِ الضاربة جذوره في التاريخ مع شارع الطابيه " جمهورية أعلا النفق ". 

الأيادي الملوّثة بكلّ قذارات العالم التي ارتكبت كلّ الفظائع التي سمعنا بها قامت بتفكيك هذه الكاميرات والعبث بأشرطتها وإخفائها او إتلافِها معتقدةً انها تستطيع بذلك ان تطمس الحقائق وتنجو من الحساب الدنيوي إذ ان ايّ حسابٍ آخر قد أنجاهُم منه موت الضمير وغياب الهِمّه والرجولة. 

ذهبت الى القسم المختص في ساعةٍ اعتقدتُ انها تأريخيه إذ انني لم ادخل قسم شرطة منذ مغادرتي قِسمي لآخر مرة في اكتوبر ١٩٨٩. 

تناوشتني مشاعرٌ شتّى. هل صحيح ان الأمر قد اصبحَ لنا مرّةً أخرى بعد ثلاثين عاماً. هل تُرى ستهدأُ النفس وهي بين عساكرِها وضباطها كما كان بالأمس في تلك الحميميّةِ الشرطية المنتجة؟

شُعورٌ حسَمَهُ الأخ رئيس الوزراء لصالح (العكس) تماماً صمتاً وسلوكاً وسيراً عكس عقارب ساعة الثورة . 

ما بين أخذ اقوالي وفتح البلاغ ومغادرتي كان " زمنًا وجيزاً جداً ". وكانت اقوالي هي آخر ما دوّنَ بتلك اليومية الحزينة البائسة الى يومنا هذا.

ولا أنكر بعض إشراقات من بعض الزملاء وسعيهم الذي أُقَدّرهُ. 

في الأثناء قابلت وكيل النيابة المختص وشكوت له وهو وسط عددٍ من زملائه قال لي " القاها ونحن بنسلمك ليها ".. قلتُ لهُ ما دمت سألقاها ما الذي سيعيدني اليكم مرّةً اخرى.

قابلت عددا من الرتب العليا قلت لهم هذه لم تكن سرقة فهذه العربه اخذت برافعة. وحيث انه لم يكن هنالك مجال لدخول اي شخص سوى القوات التي نفذت القتل فان تلك القوات " مسؤوله فلتذهب تحرّياتكم الى ذلك الاتجاه". قالوا لي ما عندنا طريقه نعمل حاجة.

علمت حينها حجم المأساة التي فيها أمننا. كنت أعتقد اننا سنبدأ من حيث توقفنا في ١٩٨٩ ولكن ذلك ، فيما ظهر لي، كان ضرباً من التمنيات الخيالية ولا وجود له في واقع ما نحنُ فيه. 

صبرت طيلة عامين. حمدت الله كثيراً على سلامة من سلموا جميعاً وانا متاكد ان سيارتي اخذت بواسطة القوات التي فضّت الإعتصام وربما اعتبروها غنيمةً .

صُمتُ عن طرق هذا الموضوع حياءً فما قيمة سيارة أمامَ مَن قُتِلوا ومن فُقدوا ومن أُلقوا في النهر؟


ظلت ثقافة القوات الشرطية حتى مفارقتنا لها هي تبَنّي مشاكل المواطن وحلّها بما يقنعهُ انه في ايدٍ امينة  


حرصت الانقاذ على إعادة تربية العاملين على عكس تلك القاعدة ونجحوا في ذلك لأنهم وجدوا في الكثير منهم التربةُ الصالحة لإنباتِ تلك البذور. اتت الإنتقالية تحمل نفس البذور وتعهدت غرس الإنقاذ بالرعايةِ والسُقيا فصارت الإنقاذ موجودة في ما يفترض أنّها قوّة الدفاع عن الثورة وقطعاً تمّ تجيير هذه القوّة لمصلحة الإنقاذ ولن يكون للثورة نصيبٌ فيها. 


الآن الأمر لن يحتمل طول البال. لا يوجد حل خلاف ان تتجمع كل القوى الثورية لتكوين حاضنه جديدة وحكومة مدنية بعيدةً عن الاحزاب الحالية التي ثبتت خيانتها لمبادئ الثورة ولم يكن لديها غير اللهث خلف مصالحها الضيقه وليكن ذلك بدايةً لمشوارٍ وطنيٍّ جديد.


الوطن في كف عفريت ونحتاجُ لمن يسمع.

الان هنالك وطن وغداً قد لا يكون.


melsayigh@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox