اخر الاخبار

22 مايو 2021

إقالة رئيس القضاء

 ‏اقالة رئيس القضاء


                                                                  د. مصعب عوض الكريم علي ادريس

musabawed@hotmail.com              


             


                                                     


   المطالبة باستكمال هياكل السلطة الانتقالية ليس ترفاً سياسياً أو مغالطات قانونية، استكمال هياكل السلطة يعني قيام مؤسسات الدولة بصورة دستورية وقانونية سليمة. ويترتب على قيام هذه المؤسسات أمور عديدة تصب جميعها في مصلحة العدالة وسيادة حكم القانون ودولة المؤسسات. لذلك فإن غياب المجلس الأعلى للقضاء يترتب عليه عدم التمكن من تعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس المحكمة الدستورية أو تعيينهم على أساس يخالف ما نصت عليه الوثيقة الدستورية. فالوثيقة الدستورية نصت على تشكيل (مجلس القضاء الأعلى) وهو الجهة المنوط بها ترشيح تعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس المحكمة الدستورية. ومجلس القضاء الأعلى عادة يتم تشكيله من قضاة عملوا في السلك القضائي ومارسوا العمل القضائي لفترات طويلة اكسبتهم الخبرة والكفاءة والدربة الثقة والمهنية لاختيار شاغلي المناصب المذكورة، وهذا ما تواضع عليه الفقه القانوني دولياً. 

   الوثيقة الدستورية نصَّت في المادة (12/1/و) على أنه: (... ولحين تشكيل مجلس القضاء العالي يعين مجلس السيادة رئيس القضاء). تم تعيين رئيس القضاء مولانا نعمات من قبل مجلس السيادة لاعتبارات استثنائية حينها وظروف الاستعجال بعد قيام الثورة وصدور الوثيقة الدستورية بالمخالفة للقاعدة العامة لاختيار القضاة. في الأيام الماضية مجلس السيادة الانتقالي وبشكل مفاجئ اقال رئيس القضاء مولانا نعمات من منصبها دون توضيح أسباب الاقالة. علماً بأن هذه الاقالة فتحت نقاشاً قانونياً واسعاً حول الوضع القانوني للإقالة. ما هي الجهة التي تملك حق اقالة رئيس القضاء؟ وهل يجوز للسلطة السيادية اقالة رئيس القضاء؟ ومن المعروف قانوناً ودستوراً بانه لا يجوز للسلطة التنفيذية أو السيادية أو التشريعية في الدول التدخل في أعمال السلطة القضائية تطبيقاً لمبدأ الفصل بين السلطات. ورئيس القضاء بحكم منصبه يعتبر قاضي وفقا لقانون السلطة القضائية، والقاضي كما أوضحنا سابقاً طريقة تعيينه واقالته تكون باقتراح من مجلس القضاء العالي لضمان حياده واستقلاله.

   يدخل في اختصاصات مجلس السيادة بموجب الوثيقة الدستورية (اعتماد تعيين) رئيس القضاء بعد (ترشيحه) من مجلس القضاء العالي. وايضا يدخل في اختصاصه (التعيين) عند غياب المجلس، نصت الوثيقة على انه: (لحين تشكيل مجلس القضاء العالي يعين مجلس السيادة رئيس القضاء). من الملاحظ ان الوثيقة لم تتحدث عن (الترشيح) في حال غياب مجلس القضاء العالي مطلقاً، بالتالي فان التعيين في حال غياب المجلس يكون لمجلس السيادة حصراً دون ترشيح من أحد أو جهة.

   في الشريعة الإسلامية على الرغم من أن القاضي يتم تعيننه من الامام أو الخليفة الاَّ أن الفقهاء قالوا بأن القاضي بمجرد تعيينه يستمد ولايته من الأمة لا من الخليفة أو الامام، لأن الخليفة عندما عين القاضي عينه على أساس أنه يمثل الأمة في مباشرة عقد تعيين القاضي. لذلك في التشريعات الحديثة على الرغم من تعيين القضاة من رئيس الدولة إلاَّ أنه لا يجوز لرئيس الدولة عزله أو اقالته، لأن ولايته غير مستمدة من الرئيس، والرئيس عند تعيين القاضي يكون ممثلاً للشعب في التعيين. هذا يوضح بجلاء أن مسألة عزل القاضي من القضاء أمر في غاية الخطورة. 

   الوثيقة الدستورية لم تنص على حق مجلس السيادة في اقالة رئيس القضاء، بل نصَّت على حق المجلس في التعيين الى حين تشكيل مجلس القضاء العالي. استند البعض على المبدأ القانوني الذي يقول: (من يملك حق التعيين يملك حق الإقالة) لصحة قرار مجلس السيادة والدفاع عن القرار، وهذا المبدأ ورد في قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م المادة (15): (إذا كانت سلطة التعيين مخولة بموجب أحكام أي قانون يكون للسلطة التي تملك حق التعيين الحق أيضا في وقف أو عزل أي شخص عينته استعمالا لسلطتها ما لم ينص على خلاف ذلك). علماً بان قانون تفسير القوانين لا ينطبق على تفسير النصوص الدستورية لان المادة (4) من القانون عرفت كلمة (قانون) بانه: (قصد به أي تشريع بخلاف الدستور ويشمل القوانين والمراسيم المؤقتة وأي لوائح أو قواعد أو تشريعات فرعية أو أوامر صادرة بموجب القوانين). لذلك فلا يمكن الاحتجاج بهذا المبدأ لتبرير قرار الاقالة من قبل مجلس السيادة في حال غياب النص الدستوري.

   عند تعيين رئيس القضاء في المرة الاولى كان الترشيح للمنصب من قوى الحرية والتغيير واعتماد التعيين يتم من مجلس السيادة. وحالياً يتم الاعداد لترشيح رئيس القضاء خلفاً لرئيس القضاء السابق من قبل قوى الحرية والتغيير. وكما هو معلوم أن قوى الحرية والتغيير هي تحالف لقوى سياسية حزبية إذا رشحت أي شخص لمنصب لن ترشح الا من ترى انه يحقق اهدافها وينفذ تطلعاتها ويعمل لمصلحتها، وهذا يتناقض مع مبدأ استقلال السلطة القضائية. والقاضي الذي يعين من قبل بهذه الطريقة يكون مديناً للقوى الحزبية والسياسية التي ساهمت في تعيينه، وقد يخشى العزل إذا عمل عملا يخالف تطلعات واهداف هذه القوى.

   التزام اجهزة الدولة وسلطات الفترة الانتقالية بإنفاذ حكم القانون وخضوعها له واجب دستوري منصوص عليه في المادة (6) الفقرات (1) و (2) من الوثيقة الدستورية. ويدخل في هذا الالتزام القيام باستكمال هياكل السلطة الانتقالية المتمثلة في مجلس القضاء الاعلى ومجلس النيابة العامة والمحكمة الدستورية لارتباط هذه المؤسسات بسيادة حكم القانون والعدالة. فمجلس القضاء الاعلى هو الجهة التي ترشح رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس المحكمة الدستورية، ومجلس النيابة العامة هو الجهة التي ترشح النائب العام ومساعديه، والمحكمة الدستورية هي التي تختص بالفصل في تنازع الاختصاص بين اجهزة الدولة والنظر في دستورية القوانين والنصوص وحماية الحقوق والحريات العامة وترتبط ايضاً بموضوع رفع الحصانات عن اعضاء مجلس السيادة ومجلس الوزراء. غياب هذه المؤسسات يشكل اهدار لقيم العدالة وحقوق الانسان. لذلك يجب على اجهزة الدولة وسلطات الفترة الانتقالية الالتزام بتشكيل مجلس القضاء الاعلى فوراً بعد اصدار قانون مجلس القضاء الاعلى، لضمان تعزيز وحماية الحقوق المضمنة في وثيقة الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox