اخر الاخبار

22 نوفمبر 2021

الاتفاق السياسي بين الارادة الخارجية و المطالب الداخلية ومآلاته على الراهن

 ‏الاتفاق السياسي بين الارادة الخارجية والمطالب الداخلية ومآلاته على الراهن.





وقع السيد عبدالله حمدوك بتاريخ ٢١ نوفمبر ٢٠٢١ اتفاق سياسي مع المكون العسكري بقيادة البرهان و وساطة وطنية لترقيع المشهد السوداني المترامي ومحاولة يعتقدها البعض حكيمه لوقف نزيف الدماء وفرصه لتوافق وطني بينما رفضتها قطاعات كبيرة من الشارع واعتبرتها مماطله وطعنة للشارع وثورته، فيما يلي محاولة استقراء للاتفاق السياسي وتحليله بصوره عامه وثم تسليطه على ارض الواقع لمعرفه مدى تأثيره على المشهد السياسي.


في الخامسة وعشرين من نوفمبر ٢٠٢١ انقلبت القيادة العسكرية على السلطة في السودان واستولت عليها بعد تقويضها للنظام الدستوري الذي تم بتوافق بين المكونين العسكري والمدني. قد لقى هذا الاتفاق انتقادات عديدة من الشارع و احزاب معينة مثل الحزب الشيوعي السوداني والتنسيقية الجديدة لتجمع المهنيين السودانيين الا انهما تماشيا مع الامر الواقع مع ابداء بيانات بين كل انفة واخرى لتثبيت مواقف متباينه حول مجريات الاحداث.


بعد مرور سنه من التوقيع على الوثيقة الدستوريه بدأت تظهر على السطح عدم رضى الجانبين العسكري والمدني بمسار الفتره الانتقالية مما ادى لتبادل الاتهامات والانتقادات علنا حتى ادى ذلك الامر لاستيلاء الجيش على السلطة واعتقال الطرف الاخر الذي يعتبر شريك اساسي في السلطة. كان هذا انقلابا واضح المعالم ولكن تاييد الجبهه الثورية لهذا الانقلاب وبعض الاحزاب والمكونات التي تنتمي الي الحرية والتغيير عقد المشهد كثيرا على المجتمع الدولي مما خلق حاله من الاختلاف في تسمية الامر بين انقلاب صريح وبين تصحيح للمسار كما اسمته كل من روسيا والصين وجمهورية مصر العربية والكيان الصهيوني. وايضا تحفظت الولايات المتحدة الامريكية على كلمة انقلاب في معظم بياناتها واسمته استيلاء الجيش على السلطه.


على صعيد اخر، رفضت لجان المقاومة واحزاب الحرية والتغيير (المجلس المركزي) تجمع المهنيين التنسيقية الجديدة وقطاع واسع من الشارع هذه الاجراءات واسمتها بصريح العبارة "انقلابا عسكريا" وطالبت بمقاومته حتى اسقاطه كليا لتبدا مرحلة جديدة للثورة.


ومن هذا الثرد التاريخي البسيط نجد ان كل الاطراف الداخلية (المكون العسكري، الميثاق الوطني، الجبهه الثورية وبعض المكونات المدنية والاحزاب السياسية الاسلامية) و ايضا (المجلس المركزي، تجمع المهنيين، لجان المقاومة والنقابات المستقلة والشارع) وحتى المجتمع الدولي متفقين تماما على ان هناك اخفاقات وشئ من الفشل قد حدث في الفترة السابقة من الفترة الانتقالية وهي كالاتي من جانب كل الاطراف بما فيها الدولية:

-الفشل في تكوين المجلس التشريعي.

-الفشل في تكوين المحكمة الدستورية.

-الفشل في تكوين مجلس النيابة العالي وانتخاب نائب عام عبره.

-الفشل في تكوين المجلس الاعلى للقضاء وانتخاب رئيسا للقضاء عبره.

-فشل في اعادة هيكلة القوات الامنية والنظامية

-فشل في استكمال الترتيبات الامنية

-فشل في اعادة هيكلة الخدمة العامة

-الفشل في التوافق على رؤية وطنيه واحده لادارة الفترة الانتقالية.

-الفشل في تكوين رؤية اقتصادية وطنية متفق عليها.

-تأخير مؤتمرات مهمه مثل (مؤتمر الحكم الاقليمي، المؤتمر الدستوري، المؤتمر الاقتصادي)

-الفشل في توسيع قاعدة المشاركة وادخال لجان المقاومة والقوى الحية وتمثيلها بصورة في مراكز اتخاذ القرار واقصاء سياسي لمكونات عريضه ايدت الثورة وبعضها شارك فعليا.

-بعد الملاحيظ على الاداء العام للجنة ازالة التمكين.

-الفشل في حصر وتحويل الاصول والاموال المستردة وادخالها في وزارة المالية لمساعدة الحكومة التنفيذية في ادارة المرحلة الانتقالية بصورة اكبر.

-خروقات للوثيقة للدستورية والتغول على السلطات من قبل المكون العسكري.

-خروقات للوثيقة الدستورية وعدم الالتزام بها من قبل المكون المدني في مسئلة تكوين الحكومة التنفيذية الاولى.

-تمكين سياسي داخل الوظائف العامة من قبل الحرية والتغيير.

-بطئ في حل الضائقة المعيشية وشبه فشل في مشروعي (ثمرات و سلعتي) حيث انهما لم يتم تنفيذهما بالصورة المخططة او المطلوبه.

-فشل في جزب الاستثمار الدولي بخلق بيئة استثمارية جاذبه.


والكثير من الخروقات والملاحيظ وفي المقابل كان هناك انجازات ومكتسبات كثيرة يمكن نلخص اهمها في الاتي:

-اختراق كبير داخل المنظومة الدولية.

-الغاء نسبه كبيرة من ديون السودان.

-شطب اسمه من قائمة الدول الراعية للارهاب.

-تحقيق جزئي للسلام وان كان به بعض الملاحيظ.

-الخروج من عزلة التعاون الدولي.

-الخروج من العزلة المصرفية العالمية.

-مساعدات نقدية كبيرة من اشقاء السودان و البنك الدولي.

-مساعدات انسانية وطبية وغذائية وبترولية.

-نجاحات تنفيذية في قطاع الزراعة.

-نجاح في تثبيت سعر الصرف.

-نجاح في تثبيت او ربما تقليل نسبة التضخم.

-نجاح في استقرار جزئي للنظام المصرفي وحل ازمة الكاش

-نجاح في استقرار السلع الاستراتيجة مثل (القمح والمحروقات)

-استقرار جزئي في الامداد الكهربائي وغير دائم.


 كل هذه الانجازات والمكتسبات القيمة والمقدرة والتي جاءت نتيجة جهد واسع وجبار من قبل المجلس التنفيذي الا انها مقارنة مع حجم الاخفاقات والانتهاكات التي ذكرتها سابقا من الفترة الانتقالية الاولى -والتي قد تتفق علي بعضها ثلة وعلى بعضها الاخر ثلة اخرى وعليها كلها ثلة ثالثة ولكن لا يستطيع احد ان ينكرها جمله وتفصيلا- مقارنه معها هي ليست كافية لانجاح الفتره الانتقالية او الصبر عليها وعلى ذلك وفي اخر اسبوعين قبل يوم ٢٥ اكتوبر اقتنعت جميع الاطراف بان الثورة تحتاج لمسار تصحيحي وهنا الاختلاف الحقيقي، في كيفية الاصلاح وما هي المسببات الحقيقية لهذه الاخفاقات وذلك ما ادى لتبادل التهم بين شركاء الفترة الانتقالية.


وعلى ضوء ذلك، نجد ان "كل الاطراف" جميعها بما فيها الشارع ومنذ قبل الانقلاب غير راضيه تماما علي الوثيقة الدستورية والاداء العام وعليه نقطة الرجوع الي ما قبل ٢٥ اكتوبر هو ليس بحل على الاطلاق لان ذلك يعني العودة الى مربع الفشل وتبادل التهم والمشاكسة السياسية وعليه يكون ضرب من العناد بتجريب المجرب.


الا ان هذا الرجوع تعتبره القوى الدولية والوساطة الوطنية منصة لبداية اصلاحية ولذلك نجد تنسيق عالي و واسع للمجتمع الدولي دول كامريكا وتحالفات كتحالف الترويكا وكيانات على رأسها مجلس الامن في الدعوة للرجوع الي ما قبل ٢٥ واطلاق المعتقلين واجراء حوار سياسي. وعليه وبجهود وتنسيق بين الوساطة الوطنية والمجتمع الدولي تمخض هذا الاتفاق السياسي بين المكون العسكري وحمدوك.


اذن ماذا يعني هذا الاتفاق لجميع الاطراف؟

المكون العسكري ومجموعة الميثاق الوطني:  هذا الاتفاق يعتبر منفذ صغير لمخرج من مأزق واضافة شرعية لانقلابهم، وذلك لاعتقادهم ان منادات الجماهير لحمدوك هي مناداة لشخصه لا لرمزيته.


المجتمع الدولي: مع بداية انطلاق البيانات التي تثمن وتشيد بالاتفاقية وما قبل ذلك من دعوات المجتمع الدولي ومطالبه نجد ان هذا الاتفاق من منظور هذا المجتمع اختراق سياسي يشكل منصة انطلاق لحوار كبير. المجتمع الدولي به كم هائل من التقاطعات والمصالح المتبادلة والقوانيين الدولية التي تجعلهم دائما يبحثون عن الحلول الممكنه والسريعة والتي تضمن قدرا من الاستقرار وحجم واسع من التوافق الدولي ولكنها وللاسف دائما ما تكون حلول فوقية وسطحية لا تناقش اصل الازمة اكثر من محاولة احتواءها فقط ولكن ذلك دائما ما ينتج عنه استقرار مؤقت يدوم ايام لا تتعدى اصابع اليد ثم انفجار وتأزم اكبر من الازمة السابقه .. هذا الامر يحتاج لدراسة نظرية لاعادة النظر في طريقة تناول المجتمع الدولي لقضايا الشعوب والدول.


الحرية والتغيير المجلس المركزي وتجمع المهنيين: من تسرب بعض التقارير نجد اختلاف وعدم توافق (كالعادة) بين مكونات هذه المكونات بين مؤيد وضد حيث ان رئيس حزب الامة القومي هو الذي بشر وكان جزء من هذه المبادرة الوطنية رغم انه جزء من الحرية والتغيير ورغم ان حزب الامه الاصل قد خرج ببيان واضح وقوي يدعوا الي اسقاط المكون العسكري والذي يتماشي مع البيان العام لقوى الحرية والتغيير المجلس المركزي؛ وكذلك ايضا مجموعة من تجمع المهنيين ايضا شاركوا في هذه المبادرة رغم ان الموقف الرسمي لتنسيقية تجمع المهنيين المنتخبه خرجت ببيان واضح وقوي ضد هذه الاجراءات ودعت ايضا الي اسقاط المكون العسكري.


لجان المقاومة والشارع: قد عبرت لجان المقاومة والشارع بالفعل في ‎#مليونية21نوفمبر عبر شعاراتها المنددة بهذا الاتفاق والتي تمادت اكثر من ذلك بشن هجوم على رئيس الوزراء عبدحمدوك لهذا الموقف والتي هي الثالثه تتوافق مع المجلس المركزي وتجمع المهنيين في اسقاط المكون المركزي خصوصا بعد سقوط عدد كبير من الضحايا بعد الانقلاب تعدى الاربعين شهيد والكثير من الجرحى.


قرائتي الخاصة لصدى الاتفاق السياسي ومدى نجاعته في اختراق الانسداد الحالي للازمة السياسية:


اي مراقب لتباين المواقف للمكونات السياسية والعسكري وقوى الشارع يجد ان هذا الاتفاق السياسي ليس الا قفزه فوق الازمة الحقيقة ومحاولة ساذجة لوضع حلول تحتوي الازمة اكثر من حلها جزريا وهذه النظره الساذجة والفوقية ناتجه من سببين اساسيين:

١- الاعتقاد والفهم الخاطئ لمطالب الجماهير بعودة حمدوك. حيث فهمتها اطراف الانقلاب ان مطالب الشعب تتلخص في عودة حمدوك (كشخصه) رئيس للوزراء وهذا فهم قاصر وساذج جدا. الجماهير تعتقد في حمدوك رمزيه ثورية للمدنية عودة حمدوك يعني عودة ارادة الشعب كاملة.

٢- ضغط المجتمع الدولي وتسرعه في احتواء الازمة باي صوره كان سببا اساسيا في خروج هذا الاتفاق السياسي الضعيف.


هذا الاتفاق السياسي بمثابة اغتيال سياسي لشخصية عبدالله حمدوك، دفعت به قوى ساذجه وقوى متأمره وقوى انقلابية وبتخطيط قوى مخابراتيه هدفها ليس اغتيال حمدوك فقط بل امكانية استقرار السودان ونجاح اي محاولة اخرى على مستوى الاقليم تطالب بتحول ديمقراطي ولان ذلك بكل بساطه يهدد استقرارها ومصالحها. وعليه انا الان اقرا الفاتحه على مستقبل حمدوك السياسي فقد مات غير شهيدا.


هذا الاتفاق بمثابة طعنة للشارع وقوى الثورة والثورة وخزلان عريض لجماهير الشعب السوداني والمقاومة، فهو وحسب المعطيات السابقه لم يأتي بأي جديد بما يخص اصل الازمة او حلها وانما فقط اعطى شرعية اضافية للانقلاب وبعض البنود الديكوريه التي لن ترضى بها الحريه والتغيير ولا الشارع والتي ستظل مجمدة نسبة لذلك.


هذا الاتفاق سيسقط قريبا ولن يعيش طويلا لانه لا يرتقي لطموح ومطالب الشارع السوداني الذي صار الان يؤمن بشئ واحد فقط هو ان يسقط المكون العسكري بالاخص (البرهان وحميدتي والكباشي) لاعتقادهم الجازم بانهم الافاعي الحقيقة التي تعمل ليلا ونهار لقطع الطريق امام الثورة والتحول المدني.


الشارع لم يعد يثق ولم يعد متوافق بصورة عريضه حول القوى السياسيه بجميع مسمياتها (ميثاق وطني ومجلس مركزي) الشارع لم يعد متحمس بصوره كبيره لدعم تجمع المهنيين. ولكنه رغم ذلك متفق حول ابعاد العسكر وعدم قبول اي فتره اخرى مهما كان شكلها تحت رئاسة او سيطرة المؤسسة العسكرية.


كان يمكن ان يكون هذا الاتفاق السياسي مقبولا لدى الشارع وكل القوى السياسية اذا تضمن بندين:


-ابعاد القيادات العسكرية الحالية من السلطة لانها تلطخت بالكثير من الدماء ورفضت شعبيا مع حل المجلس السيادي الحالي باكلمه.

-ان تكون صلاحيات الداخلية كامله تحت سلطة رئيس الوزراء لاعادة هيكلتها بالصورة التي تضمن حيادها ومهنيتها وإلتزامها بالقانون وحقوق الانسان.


ولكن دون هذه البنود ولد هذا الاتفاق ميتا في رحمه قبل ان يخرج. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox