اخر الاخبار

السبت، 26 أكتوبر 2019

بدون ألوان

بدون الوان // حمدي صلاح الدين

(الممطورون داخل المظلة)

"ان تكون حكيماَ واسع الإطلاع بحيث تلازم بيتك حين ينهمر المطر لهو خطأ فادح فقد توفر لك حكمتك تلك الدفء و السكينة لكنها تفوت عليك فرصة التمتع بعالم من الجمال لا يحد و لا يوصف" فيكتور هيجو.

في منتصف الطريق انهمر المطر على رأسي بغزارة و حبيبات كبيرة تبدو اكبر من المعتاد.

 هرولة هنا و هرولة هناك وسط الطريق المسفلت و نحن متجهون من الجنوب الي الشمال و المطر تأخذه الرياح من الشمال الي الجنوب في وجهنا تماماَ رجال شباب نساء أطفال هرولوا مع اشتداد سرعة نزول المطر.

انحرف بعضنا يمينا و بعضنا الآخر يسارا مع اشتداد المطر و دخلت مع الداخلين "مظلة دكان" يمين الشارع. تلانا رجل ثم شاب ثم شابين و الكل مبلل الثياب. و ظللنا ندعو العابرين الي الدخول إلى المظلة لغزارة المطر وقتها بعضهم يردد مهمهماَ "البيت قريب. وصلت" و يرونه قريبا لكننا نراه بعيدا.

استمر هطول الأمطار لنصف ساعة كاملة أو يزيد و بغزارة.

 الدكان انهمرت المياه من سقفه الي الداخل. الكل ساعد صاحب الدكان في إبعاد البضاعة من مرامي مياه السقف. التفت ناحية الشارع الهرولة مستمرة "يازول تعال المظلة خلي المطر يقيف" نهتف نحن. يرد العابر مهمهماَ" كتر خيركم. انا وصلت" و ندري انه لم يصل بعد.

شاب عشريني دلف الي المظلة يحمل كيس خبز. الكيس ممتلئ عن آخره بالخبز و المياه و ملابسه مبلله عن آخرها. يبدو أنه جري طويلاَ تحت المطر ثم انتهى الي المظلة كخيار اخير و وحيد . افرغنا الخبز من الكيس و نشرناه على كاونتر الدكان عسى ولعل ان يجف.

امتلأت أرضية المظلة بالمياه. صاح احد الممطورين  "افصل الثلاجات يا معلم" و قام صاحب الدكان بفصل الثلاجات الست الكائنة في المظلة تحسباً لأي التماس قد يأتي بنتائج لا تحمد عقباها.

بعد الشعور بالدفء تحدث الممطورون داخل المظلة عن الاعتصام و فضه و المجلس العسكري و جرجرته و المجلس  السيادي و بطئه و تعيين القضاء و النيابة العامة و تأخيره و كيف تسير حكومة حمدوك. المظلة كانت برلمان مصغر بتيارات مختلفة. برلمان حمل نقاشاً واعياً هادفاً لكل قضايا المرحلة. كان هناك متسع من الوقت. اتفق الممطورون داخل المظلة و اختلفوا في جو جميل و روح أجمل.

خفت هطول الأمطار قليلاَ خرجت و خرج آخرون قطعت حوالي خمسين متراً ثم عاودت الأمطار الهطول مرة أخرى.

 بنظرة سريعة قدرت المسافة، لقد اصبحت وجهتي أقرب من العودة للدكان لهذا لابد من شد المازر مع "جكة خفيفة" ممكن اصل بسلام. حاولت طرد الفكرة من رأسي لكن شدة هطول المطر و بعد الدكان عني ضيق الخيارات أمامي ووضعني أمام خيار وحيد "الجري ولا شئ غيره". وظللت اعلل لنفسي "الجري من الظروف الطبيعية ليس كالجري خوفاً بالتأكيد" .

 الشارع خالي من المارة اغلبهم في مظلات الدكاكين تركتهم خلفي. لم يامنوا المطر فلم يخرجوا حتى يتثبتوا من توقفها الكامل. حاولت الاتصال بمحمد حسن حتى يفتح الباب و من الجكة ادخل الصالون توووش. الهاتف مغلق. الأمين الهاتف مغلق. معتصم الهاتف مغلق. عزو (عزو ما رجع من السفر). اصبروا يا ناس زين قاطعين الشبكة و المطر في راسي. أفضى ليكم بس. وضعت كيسين و كرتونة بين ملابسي المبتلة و صدري مخافة نزلة برد حادة قد تصيب في هذه الحالات.

كان لابد من اتخاذ قرار سريع مع هذه الهواتف المغلقة و هذا المطر (الحبتو بتفلق الراس). تذكرت علم النفس و قصة (الثعلب و العنب) و كيف حكاها لنا بروف
علم النفس في قاعات جامعة النيلين و ربطتها مع فلسفة أنيس منصور حين قال 'اذا أتت الرياح بما لا تشتهي السفن فعلينا ان نفعل ما نحب و ان فشلنا فعلينا ان نحب ما نفعل ". فاتخذت قراري بعد مفاضلة الفلسفة و علم النفس تلك. يلا "جكة خفيفة" رياضة إجبارية تحت حبات المطر و ظلال القمر . اعتمرت حذائي جيداً و هرولت بنصف سرعة أخداً في الإعتبار الأرض الزراعية التي تطوق شمبات و كيف يكون شكل "الزلقة"  في منتصف الطريق. اه يبدو أن بروف الفلسفة و أنيس منصور لم يشاهدا هذه الأرض الزراعية قبل أن يقولا " لنحب ما نفعل". يلا طيب نجري بحب كبير كما قال أنيس منصور. حدثت نفسي .

 تلفت يمنة و يسرة و حدثت نفسي " الشارع فاضي حتى لو انزلقت مافي حد يشوفك" و اتخذت القرار سريعاً و بدأت الهرولة.

استقبلني عم عبد الرحمن و صديقي الأمين. كانوا مصادفة خارج المنزل. عم عبدالرحمن ضاحكاَ "يا زول المطر الليلة جلدك جلدة ادخل البيت اتشطف من الطين ده". دخلنا ثلاثتنا و شربنا الشاي الساخن تخفيفاَ لحدة" دق المطر " ثم خرجنا حيث نجلس يومياَ لتكملة "طق الحنك".

عم عبد الرحمن ابونا و كبيرنا و سندنا و رمز عزتنا في الحلة سافرد له مساحات أخرى منفصلة ان شاء الله تعالى .

للان بعطس من جلدة المطرة و كله بسبب انتظار ايمن علي في الشارع. ليك يوم يا ايمن علي.

المصدر // صحيفة السوداني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox